المقريزي
100
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فيقال : إنه أقام يمشي عليه ثلاثين سنة في عمران وعشرين سنة في خراب . قالوا : وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة ، وعاد ودخل منف ، وأقام بمصر فاستعبد أهلها واستباح حريمهم وأموالهم وملكهم مائة وعشرين سنة ؛ فأبغضوه وسئموه إلى أن ركب في بعض أيامه متصيدا فألقاه فرسه في وهدة فقتله ، واستراح الناس منه . وقال قدامة بن جعفر « 1 » في كتاب الخراج : انبعاث النيل من جبل القمر وراء خط الاستواء من عين تجري منها عشرة أنهار كل خمسة منها تصب إلى بطيحة ، ثم يخرج من كل بطيحة نهران ، وتجري الأنهار الأربعة إلى بطيحة كبيرة في الإقليم الأوّل ، ومن هذه البطيحة « 2 » يخرج نهر النيل . وقال في كتاب نزهة المشتاق إلى اختراق الآفاق : إن هذه البحيرة تسمى بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولها . متوحشين يأكلون من وقع إليهم من الناس ، ومن هذه البحيرة يخرج لهم نهر غانة وبحر الحبشة ، فإذا خرج النيل منها يشق بلاد كوري ، وبلادينه . وهم طائفة من السودان بين كاتم والنوبة فإذا بلغ دنقلة مدينة النوبة عطف من غربيها ، وانحدر إلى الإقليم الثاني فيكون على شطيه عمارة النوبة . وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى ثم يشرق إلى الجنادل . وقال المسعودي رحمه اللّه تعالى : رأيت في كتاب جغرافيا : النيل مصوّرا ظاهرا من تحت جبل القمر ، ومنبعه ومبدأ ظهوره من اثني عشرة عينا ؛ فتصب تلك المياه إلى بحيرتين هنالك كالبطائح ثم يجتمع الماء منهما جاريا فيمرّ برمال هنالك وجبال ، ويخرق أرض السودان فيما يلي بلاد الزنج ، فيتشعب منه خليج يصب في بحر الزنج ، ويجري على وجه الأرض تسعمائة فرسخ . وقيل : ألف فرسخ في عامر وغامر من عمران ، وخراب حتى يأتي أسوان من صعيد مصر . وقال في كتاب هردسوس : نهر النيل مخرجه من ريف بحر القلزم ، ثم يميل إلى ناحية الغرب فيصير في وسطه جزيرة ، وآخر ذلك يميل إلى ناحية الشمال فيسقي أرض مصر . وقيل : إن مخرجه من عين فيما يجاوز الجبل ، ثم يغيب في الرمال ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم ، ثم يساير البحر المحيط على قفار الحبشة ، ثم يميل على اليسار إلى أرض مصر ، فيحق ما يظن بهذا النهر أنه عظيم إذ كان مجراه على ما حكيناه . قال : ونهر النيل وهو الذي يسمى بلون مخرجه خفيّ ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة ، ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل وذكر مخرجه حتى ينتهي إلى
--> ( 1 ) كاتب من البلغاء الفصحاء في علم المنطق والفلسفة . له تصانيف عديدة . توفي سنة 337 ه . الأعلام ج 5 / 191 . ( 2 ) البطيحة : والبطحاء واحد وهي هنا الأرض الواسعة التي تبطحها الماء .